يحيي بن حمزة العلوي اليمني

137

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

دقيقة اعلم أنا قد جعلنا هذه القاعدة للتشبيه فصدرناها بلقبه ، وحكينا عن المطرزي إنكار كونه معدودا من المجازات وإن عد من أنواع البلاغة ، وإلى هذا ذهب الشيخ عبد الكريم صاحب التبيان ، وغالب الظن بل نعلم قطعا أن كل ما كان من التشبيه مضمر الأداة كقولنا : زيد الأسد ، ولقيني الأسد ، وعمرو الشمس في ضيائه ، والقمر في نوره ، والبحر في كرمه ، إلى غير ذلك من التشبيهات المضمرة فإنهما لا يخالفان في كون ما هذا حاله معدودا في المجاز ، وإن كان من التشبيه ، لأن ظاهره الاستعارة وإن كان المشبه به في طيه ، فلهذا وجب عده في المجاز ، وإنما يتوجه خلافهما فيما كان من التشبيهات مظهر الأداة ، كقولنا : هو كالبحر كرما ، وكالقمر نورا ، وكالبدر تماما وكمالا ، فما كان بهذه الصورة ففيه مذهبان . المذهب الأول أنه معدود من جملة المجازات ، وهذا الذي يشير إليه كلام ابن الأثير ، وحجته على ذلك أن قولنا : زيد أسد إذا كان معدودا في المجاز باتفاق بين علماء البيان ، فيجب في قولنا : زيد كالأسد شجاعة ، أن يعد في المجاز أيضا ، إذ لا تفرقة بينهما إلا من جهة ظهور الأداة ، وظهورها إن لم يزده قوة ودخولا في المجاز لم يكن مخرجا له عن المجاز ، ولأن التمثيل إذا كان معدودا في المجاز في نحو قولنا : فلان يقدم رجلا ويؤخر أخرى ، يقال للمتحير في أمره فهكذا حال التشبيه أيضا . المذهب الثاني إنكار كونه معدودا في المجاز ، كما حكيناه عن المطرزي وعبد الكريم ، وغيرهما ، وحجتهم على ما قالوا : أن المجاز استعمال اللفظ في غير موضوعه الأصلي وقولنا . زيد كالأسد ، مستعمل في موضوعه في الأصل ، فلهذا لم يكن معدودا في المجاز ، فهذا تقرير الكلام في المذهبين جميعا ، والمختار عندنا كونه معدودا في علوم البلاغة ، لما فيه من الدقة واللطافة ، ولما يكتسب به اللفظ من الرونق والرشاقة ، ولاشتماله على إخراج الخفي إلى الجلى ، وإدنائه البعيد من القريب ، فأما كونه معدودا في المجاز أو غير معدود ، فالأمر فيه قريب بعد كونه من أبلغ قواعد البلاغة ، وليس يتعلق به كبير فائدة ، وربما كان الخلاف في ذلك لفظيا فعدلنا عنه .